"التمييز" يضعف جهاز المناعة ويترك أثراً بيولوجياً دائماً
"التمييز" يضعف جهاز المناعة ويترك أثراً بيولوجياً دائماً
كشفت دراسة علمية جديدة أن التعرض المتكرر للتمييز في الحياة اليومية لا يقتصر تأثيره على الصحة النفسية فحسب، بل قد يترك بصمات بيولوجية عميقة تضعف جهاز المناعة مع مرور الوقت، وتسرّع مظاهر الشيخوخة الصحية.
وتشير الدراسة، التي أجراها باحثون من كلية الصحة العامة بجامعة نيويورك ونُشرت في دورية Brain, Behavior, & Immunity–Health، إلى أن الأشخاص الذين يعانون باستمرار من معاملة تمييزية يُظهرون مستويات أعلى من خلايا مناعية "مُنهَكة"، وهي خلايا أقل قدرة على مقاومة العدوى والأمراض.
ومن المعروف علمياً أن التوتر يؤثر في جهاز المناعة، إلا أن هذه الدراسة تسلط الضوء على نوع خاص من التوتر وهو التمييز اليومي غير المباشر، مثل التقليل من الاحترام، أو الاستبعاد الاجتماعي، أو المعاملة غير العادلة في أماكن العمل أو الخدمات.
وقالت الباحثة الرئيسية في الدراسة، إيميكو كرانز، إن "التجارب المتكررة للحرمان الاجتماعي تترك آثاراً فسيولوجية تتراكم مع الزمن"، مشيرة إلى أن الجسم يستجيب لهذا النوع من الضغط المزمن عبر تنشيط مستمر لأنظمة التوتر، ما يؤدي إلى ما يُعرف بـ"الاهتراء البيولوجي".
واعتمد الباحثون على بيانات واستبيانات وعينات دم مأخوذة من 6337 شخصاً تزيد أعمارهم عن 50 عاماً، ضمن دراسة صحية طويلة الأمد تُعنى بمتابعة أنماط الشيخوخة في الولايات المتحدة.
وقيّم المشاركون تجاربهم مع "التمييز اليومي"، بما في ذلك الشعور بعدم الاحترام، أو التشكيك في قدراتهم، أو تلقي خدمات أسوأ في المطاعم أو المرافق الطبية. وفي الوقت نفسه، حلل الباحثون وظائف خلايا الدم البيضاء، وتحديداً الخلايا التائية والبائية المسؤولة عن الدفاع المناعي.
خلايا مناعية مُنهَكة وأقل كفاءة
وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين أبلغوا عن مستويات أعلى من التمييز كانت لديهم أعداد أكبر من خلايا مناعية وصلت إلى مرحلة "الإنهاك الوظيفي"، وهي خلايا استُنزفت نتيجة التنشيط المتكرر، ولم تعد قادرة على أداء دورها الدفاعي بكفاءة.
واللافت أن هذا الخلل لم يُرصد في الخلايا المناعية "الحديثة" أو غير المُفعّلة، بل اقتصر على الخلايا التي تعرضت لتحفيز متكرر على مدى سنوات، ما يعزز فرضية أن التمييز المزمن يُعيد تشكيل جهاز المناعة تدريجياً.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج تفتح نافذة جديدة لفهم العلاقة بين التجارب الاجتماعية السلبية وازدياد مخاطر الأمراض المرتبطة بتقدم العمر، مثل الالتهابات المزمنة، وأمراض القلب، وضعف الاستجابة المناعية.
وقال الأستاذ المشارك أدولفو كويفاس، المشرف على الدراسة، إن "هذه النتائج تُظهر كيف تتحول الضغوط الاجتماعية إلى تغيّرات بيولوجية ملموسة داخل الجسم"، مؤكداً أن التمييز لا يترك أثراً نفسياً فقط، بل قد يسرّع التدهور الصحي على المستوى الخلوي.
ويخلص الباحثون إلى أن مكافحة التمييز لا تُعد قضية اجتماعية أو أخلاقية فحسب، بل ضرورة صحية أيضاً. فالتقليل من التعرض المستمر للتمييز، وتحسين بيئات العمل والخدمات، قد يسهمان في حماية الصحة العامة وتقليل العبء طويل الأمد للأمراض المرتبطة بالشيخوخة.
وتؤكد الدراسة أن الصحة لا تتشكل فقط داخل العيادات والمستشفيات، بل تتأثر أيضاً بما يعيشه الأفراد يومياً من تجارب اجتماعية، قد تترك آثاراً أعمق مما يبدو على السطح.
بواسطة نادية
on
يناير 27, 2026
Rating:


ليست هناك تعليقات